محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

52

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأمرية انقسمت إلى محكمات مفروغات وإلى متشابهات مستأنفات . فكلّ ما يتعلّق بأحكام القدر المفروغ عنه والحكم السابق المعلوم فهو من المحكمات ؛ وكلّ ما يتعلّق ( 20 ب ) بأحكام القضاء المستأنف والحكم المتأخّر المشروع فهو من المتشابهات . 291 وقد يرد في القرآن المحكم بإزاء المفصّل ، كما قال تعالى : الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ أي أحكمت بالتنزيل وفصّلت بالتأويل ؛ فيكون التفصيل في مقابلة الإحكام . وقد قيل : إنّ المحكمات هي التي لم يتطرّق إليها نسخ البتّة ، وهي عشر آيات في آخر سورة الأنعام وفي سورة السبحان « 1 » 292 . وقد قيل : إنّ المحكمات هي جميع آيات القرآن ، والمتشابهات الحروف التي هي على مبادي السور ، يقال لها : « مفاتيح السور » . وقد قيل : إنّ المتشابهات هي التي أشعرت بالتشبيه الذي يحتّ « 2 » تنزيه الباري تعالى عنها 293 ، والمحكمات هي التي أشعرت بالتوحيد والتقديس . وأمّا الناسخ والمنسوخ فقد قيل في حدّ النسخ إنّه رفع الحكم الثابت ، وقيل : إنّه انتهاء مدّة الحكم ؛ وقد قيل : إنّه تكميل بمعنى أنّ مقاصد الأحكام إذا انتهت نهايتها وبلغت غايتها فقد كملت بأحكام أخر لها مقاصد أشرف وأكمل من الأولى ؛ وهكذا كلامنا في الخلقيات ، مثل انتساخ « 3 » النطفة بالعلقة والعلقة بالمضغة إلى المرتبة السابعة التي هي خلق آخر . فالشرائع ابتدأت من آدم - عليه السلام - وانتهت بالقيامة التي هي النشأة الأخرى . وكلّ شريعة ناسخة لما قبلها ، أي مكمّلة لها إلى ما بعدها من كمال آخر . قال اللّه تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ، فافهم هذه الدقيقة ، ولا تظنّنّ أنّ شريعة من الشرائع تبطل بشريعة أخرى أو ترتفع أحكامها [ و ] توضع أخرى ؛ فإنّ النطفة في الخلقيات لو بطلت أو ارتفعت لم تصل إلى المرتبة الثانية والثالثة ، بل انتهت نهايتها من التمام ؛ وليست صورة أخرى من الكمال مع استيفاء ذاتها . كذلك الشريعة الأولى لو بطلت أو ارتفعت لم تصل إلى الثانية والثالثة ، بل انتهت نهايتها من التمام ، وليست صورة الكمال مع استحكام ذاتها ؛ وكذلك الشريعة الأخيرة التي هي أشرف الشرائع قد اشتملت على أحكام لم تتبدّل ،

--> ( 1 ) . س : لسبحان . ( 2 ) . س : تحت . ( 3 ) . س : انتساج .